عواقب حرب روسيا-أوكرانيا على مستقبل ليبيا وسوريا



ستتأثر معظم الدول العربية، على الأقل اقتصاديًا، بالحرب الدائرة الآن بين روسيا وأوكرانيا، حيث تحتل روسيا وأوكرانيا وبيلاروسيا، كل منهم بشكل منفصل، مواقع حاسمة في اقتصاد معظم الدول العربية؛ إما نظراً لكونهم أكبر موردي القمح في العالم، وهو منتج غذائي نسبة الطلب عليه في الدول العربية مرتفعة للغاية، أو حتى كسائحين يتدفقون بأعداد كبيرة إلى المنتجعات البحرية في المنطقة خلال فصل الشتاء. علاوة على ذلك، تعد روسيا من أهم مصادر التسليح العسكري لمعظم الدول العربية، خاصة في الأوقات التي يمتنع فيها حليفهم المفضل، الولايات المتحدة، عن بيع الأسلحة لهم بسبب تأخر العمل على تحسين أوضاع حقوق الإنسان.


إلا أن هناك دولتان عربيتان ستتأثران بشكل خاص بالتداعيات الجيوسياسية والأمنية للحرب الروسية الأوكرانية الحالية، بسبب ارتباطهما السياسي المباشر بالنظام الروسي، وهم: سوريا وليبيا. في الواقع، إن حرب روسيا غير المبررة على أوكرانيا ليست سوى نسخة أكثر تطوراً وحدة من تدخلاتها غير المبررة أيضاً في كل من سوريا وليبيا، على مدى العقد الماضي، حتى أن الادعاء بأن "روسيا تدافع عن أمنها القومي ضد توسع الناتو"، والذي يستخدمه حاليًا بوتين وأنصاره في وسائل الإعلام لتبرير اعتداءه على أوكرانيا، كان قد استخدمه نظام بوتين من قبل، في عامي ٢٠١٥ و٢٠١٧، لتبرير تدخلات روسيا سياسياً وعسكرياً في سوريا ثم في ليبيا.


بالرغم من ذلك، هناك فرق جوهري بين التدخلات الروسية الثلاث، فبينما مهد المسؤولون السياسيون في ليبيا وسوريا الطريق لبوتين، وسمحوا له بتدمير بلادهم وقتل المواطنين الأبرياء حتى يحافظوا على مناصبهم، فإن المواطنون الأوكرانيون وقيادتهم السياسية يقفون على قلب رجل واحد في مواجهة العدوان الروسي بشكل ملهم أجبر المجتمع الدولي على التدخل لإنقاذهم. من هذا المنطلق، ليس من المستغرب أن تكون القيادات السياسية الحالية في كل من سوريا وليبيا هم أول من يتخذ موقف منحاز مع أو ضد روسيا، من بين جميع الدول العربية الأخرى التي آثرت الصمت أو الوقوف على الحياد. وبالطبع، كانت مواقفهم هذه قائمة حصراً على الدور الذي لعبته روسيا في ترسيخ أو زعزعة عروشهم.


على سبيل المثال، في سوريا، حيث تدعم روسيا نظام الأسد منذ عام ٢٠١٥، أدلى الرئيس السوري بشار الأسد بتصريحات علنية امتدح فيها غزو روسيا لأوكرانيا، واصفًا إياه بـ "تصحيح التاريخ واستعادة التوازن في النظام العالمي". الغريب أيضاً كان قيام نظام الأسد، قبل ذلك بأيام، بالإشادة باعتراف روسيا باستقلال مقاطعتي دونيتسك ولوهانسك، في شرق أوكرانيا، وهو موقف يتناقض تماماً مع الطريقة التي يتصرف بها داخل سوريا بشأن الأكراد، حيث قد لا يتردد الأسد في شن حرب على أكراد سوريا، إذا حاولوا يومًا ما أن يكون لديهم حكم ذاتي في المناطق الشمالية، على غرار أكراد العراق. في عام ٢٠١٦، بعد أشهر قليلة من التدخل الروسي في سوريا، هدد الأسد علنًا بأنه مستعد لخوض حرب ضد "قوات سوريا الديمقراطية" الكردية لاستعادة سيطرة سوريا على الأراضي التي يعيشون فيها.


على الجانب الآخر من المنطقة، وعلى الجانب الآخر من طيف الاصطفاف السياسي كذلك، أصدرت حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة في ليبيا، من خلال وزارة خارجيتها، بيانًا يرفض اعتراف روسيا بإقليمي دونيتسك ولوهانسك، كما أدان البيان ممارسات مجموعة فاغنر (شركة عسكرية روسية خاصة تخدم النظام الروسي) في كل من ليبيا وأوكرانيا. جدير بالذكر هنا، أن روسيا كانت قد أرسلت بعض من الميليشيا التابعة لمجموعة فاغنر إلى ليبيا، في عام ٢٠١٧، لدعم الجيش الوطني الليبي الذي يقوده خليفة حفتر في الأراضي الشرقية ضد حكومة الوفاق الوطني المؤقتة السابقة. ومنذ تعيين حكومة الوحدة الوطنية الحالية، في أوائل عام ٢٠٢١، علت الأصوات المحلية والإقليمية والدولية المطالبة بسحب القوات الأجنبية الروسية والتركية المتواجدة داخل ليبيا، لكن مع الأسف لم تستجب أي من الدولتين لهذه المطالب حتى الآن. لكن في منتصف فبراير، ذكرت تقارير إعلامية غربية أن بوتين سحب ميليشيا مجموعة فاغنر من ليبيا للمساعدة في حربه على أوكرانيا، والتي بدأت بالفعل بعد أيام قليلة من ذلك.


السؤال المهم، الآن، هو: ما الذي يخبئه المستقبل لكل من ليبيا وسوريا بعد اندلاع الحرب الأخيرة بين روسيا وأوكرانيا؟


على الجانب المشرق، من المتوقع أن يكون لدى كلا البلدين مساحة سياسية مفتوحة لالتقاط الأنفاس، بينما ينشغل المجتمع الدولي باحتواء روسيا. في المقابل، من المتوقع أن تركز روسيا جميع مواردها العسكرية والدبلوماسية على إدارة حربها الممتدة مع أوكرانيا والغرب. قد يستغرق الأمر شهورًا، إن لم يكن سنوات، سيتعين خلالها على ليبيا وسوريا التركيز على إدارة الملفات الداخلية بأنفسهم، دون التدخلات الخارجية التي عقّدت حياتهما في الماضي القريب. لكن على الجانب المظلم للواقع، قد تخرج الانقسامات السياسية والعسكرية المتطرفة، لا سيما تلك التي تحدث في ليبيا الآن، عن السيطرة وتدفع ليبيا مرة أخرى إلى جحيم الصراعات المسلحة والاقتتال الداخلي.


في الواقع، لدى ليبيا فرصة اقتصادية سائغة في الحرب الروسية الأوكرانية الحالية، نظراً لإصرار الدول الأوروبية على مقاطعة الغاز الطبيعي الذي تنتجه روسيا، مما يجعل ليبيا البديل الأمثل لأوروبا للحصول على احتياجاتها من الغاز، إذ تعد ليبيا من بين أكبر ٢١ دولة منتجة للغاز على مستوى العالم، وهي رابع أكبر مصدر للغاز الطبيعي إلى أوروبا عبر خط أنابيب "جرين ستريم" البحري (طوله ٥٤٠ كم) الممتد من ميناء مليتة في ليبيا إلى شواطئ صقلية في إيطاليا. علاوة على ذلك، تتمتع ليبيا بموقع استراتيجي فريد في جنوب البحر المتوسط، حيث يمكنها بسهولة من إرسال شحنات الغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا، وهو أمر يسهل تحقيقه إذا تعاونت ليبيا بشكل فعال مع جارتها المباشرة، مصر، التي صعدت في الفترة الأخيرة كمركز إقليمي في شرق البحر المتوسط لتسييل وتصدير الغاز الطبيعي إلى أوروبا وأسيا. لكن مع أخذ ذلك في الاعتبار، فإن نجاح ليبيا في اغتنام هذه الفرصة الاقتصادية الفريدة مشروط بقدرتها على تحقيق استقرار سياسي داخلي طويل الأجل، وهو ما يبدو أمر مستحيل تحقيقه في الوقت الحالي.


حقاً، إن الحرب الحالية بين روسيا وأوكرانيا هي منعطف تاريخي لا يتكرر كثيراً، كما قال أغلب قادة العالم. العملية العسكرية السريعة التي شنها بوتين، دون سبب وجيه، في ٢٤ فبراير، سرعان ما تحولت إلى صدام عسكري ودبلوماسي واقتصادي خطير وغير مسبوق بين روسيا وقوى الغرب، سيترتب عليه مسار طويل من الفعل ورد الفعل، ستستخدم فيه كل أدوات الحروب التقليدية والحديثة، وسيتغير بفعله العالم ككل في النهاية. من ثم، يعد الآن هو الوقت المثالي للدول الأصغر التي تعاني منذ سنوات تحت قبضة ومطامع هذه القوى العالمية، مثل ليبيا وسوريا، لتأخذ نفسًا عميقًا وتبدأ في إعادة رسم مستقبلها بأيديها، فقط لو أرادوا استغلال اللحظة التاريخية الراهنة والتي ربما لن تتكرر.


اقرأه أيضاً على ليفانت