أصداء إقليمية للانتفاضة الإيرانية: أكراد الشام



ما زال المتظاهرون الإيرانيون صامدون بانضباط شديد، للأسبوع الرابع على التوالي، في مواجهة القمع المؤلم الذي يمارسه حراس نظام الملالي عليهم. لقد تحولت المظاهرات، التي انطلقت بقيادة نسائية احتجاجاً على مقتل مهسا (جينا) أميني، الشابة الإيرانية الكردية، التي قامت الشرطة بتعذيبها حتى الموت بسبب أنها لم ترتدي الحجاب بالشكل المناسب، إلى انتفاضة شعبية حاشدة تهز أواصر الجمهورية الإسلامية بأكملها.


إن كشف الوجه القبيح للدولة الثيوقراطية المتشددة في إيران هو أعظم مخرجات الاحتجاجات الإيرانية حتى الآن، إذ يؤكد الشباب الذين يحاربون ببسالة في داخل إيران اليوم من أجل استعادة حقهم الأصيل في التمتع بالحريات الفردية التي سرقها منهم النظام تحت شعارات دينية فارغة، أنه لا يوجد فرق بين نظام الحكم الذي يقوده الملالي في إيران وحكم حركة طالبان الإرهابي في أفغانستان المجاورة، باستثناء كون نظام الملالي شيعي ونظام طالبان سني. إلا أن كلاهما قد تأسس على أيديولوجية دينية متطرفة تستمد القوة والشرعية من التمييز الممنهج ضد الفئات الاجتماعية الهشة، خصوصاً النساء والأقليات العرقية والدينية.


يبدو أن تنوع هوية مهسا، من حيث كونها امرأة وأيضاً كردية العرق، قد مهد الطريق بشكل قدري تماماً لفضح عقود من التمييز الذي ظل النظام الإيراني يمارسه ضد الأقلية الكردية، سواء تلك التي تعيش داخل إيران، أو حتى شعوب الأكراد التي تسكن منطقة الشام. لقد أكد بعض نشطاء حقوق الإنسان المتابعين للشأن الكردي أن معاملة الشرطة القاسية تجاه جينا وعائلتها كان مقصوداً بسبب انتمائهم العرقي، وأنه لو كانت جينا مواطنة إيرانية عادية لربما كانت قد اكتفت الشرطة بالتوبيخ دون ممارسة الضرب والتعذيب الذي أدى لسقوطها في غيبوبة ثم موتها.


وهذا يفسر سبب تردد أصداء الاعتداء على مهسا بقوة بين مجتمعات الأكراد في سوريا والعراق. فقد نزلت مئات النساء إلى الشوارع، في سوريا، من أجل إشعال النار في الحجاب الذي يرتدونه وقص شعورهن بهدف إبداء الغضب تجاه النظام الإيراني والتضامن مع أخواتهن الإيرانيات. وفي إقليم كردستان العراق، تجمع عشرات النشطاء أمام مكتب الأمم المتحدة للاحتجاج على استبداد النظام الإيراني والمطالبة بالقصاص لمقتل مهسا. "المرأة، الحياة، الحرية" و "الموت للنظام" كانت هي أكثر الشعارات التي هتف بها المتظاهرون الإيرانيون والمتعاطفون معهم في الدول المجاورة وجميع أنحاء العالم.


يشكل الأكراد في إيران، على الرغم من كونهم أقلية، حوالي ١٥ مليون مواطن، أي ١٧٪ من نسبة السكان. أكثر من ٤٥٪ من أكراد إيران هم في عمر الشباب، ويتمتعون بدرجة جيدة من التعليم رغم الظروف البائسة التي يعيشون فيها، في مدن فقيرة محرومة من أغلب الخدمات الحكومية، في شمال غرب إيران وعلى الحدود الإيرانية مع العراق فضلاً على الأوضاع الأمنية الصعبة هناك.


تفضل الثقافة الكردية أسلوب العيش العلماني وليس الديني. الأكراد هم من بين أكثر الجماعات نشاطًا سياسيًا في إيران، حيث كانوا من بين أوائل الجماعات العرقية التي استطاعت تشكيل أحزاب سياسية ناجحة في فترة الخمسينيات والستينيات، وكانت أغلب هذه الأحزاب تتبنى الفكر الماركسي الذي كان له حضور كبير في العالم كله آنذاك. لهذا السبب، اعتبرهم الملالي تهديدًا وجوديًا من الناحيتين السياسية والأيديولوجية. حيث أنه منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية، عام ١٩٧٩، تزايدت قوة الأكراد كمعارضين سياسيين للحكم الديني، حتى أن روح الله الخميني، المرشد الأعلى الأول للجمهورية الإسلامية الإيرانية، كان قد حرض علناً على القضاء على الأكراد بدعوى أنهم يتبنون معتقدات ماركسية / شيوعية، والتي اعتبرها الخميني وأنصاره تهديد لدين الإسلام يستوجب محاربته.


بينما فشلت طهران في قمع الاحتجاجات الداخلية، التي تكبر يوماً بعد يوم كما كرة الثلج، قررت طهران استهداف الأكراد المتعاطفين في العراق بالصواريخ والطائرات المسيرة. في ١٩ سبتمبر، بالتوازي مع دخول المظاهرات في اليوم الثاني عشر، شن الحرس الثوري الإيراني هجوماً صاروخيا بالقرب من أربيل في كردستان العراق، وأسفر الهجوم الإيراني غير المبرر عن مقتل سبعة عشر شخصاً، بينهم امرأة حامل، وإصابة ٥٨ مدنياً.


بررت قيادة الحرس الثوري الإيراني الهجوم بادعاء أنها كانت تطارد الانفصاليين الأكراد الذين دخلوا إلى إيران بشكل غير شرعي للمشاركة في الاحتجاجات، وحذر الحرس الثوري من أن الهجمات الصاروخية على شمال العراق " سوف تستمر بتصميم كامل حتى يتم صد التهديد بشكل فعال". الهجوم الإيراني على إقليم كردستان العراق ليس الأول من نوعه، فقد شنت طهران هجمات عديدة على المناطق الكردية في سوريا وشمال العراق، منذ عام ٢٠١٦، بدعوى مطاردة الإرهابيين، بينما في كل مرة تصيب أهداف مدنية وتقتل مواطنين أبرياء.


بعد أيام قليلة من الهجوم الإيراني على شمال العراق، ادعى آية الله خامنئي، المرشد الأعلى الحالي، في خطاب جماهيري، أن الاحتجاجات جزء من مؤامرة غربية ضد إيران، واتهم الولايات المتحدة بدعمها وتأجيج المشكلات في داخل إيران. في اليوم التالي، اتهم قائد القوات البرية التابعة للحرس الثوري الإيراني إسرائيل بـ "استخدام القواعد المناهضة للحرس الثوري في المنطقة الشمالية من العراق لصالحها". وقال إنه على الرغم من مناشدات إيران المتكررة للحكومة المركزية العراقية، لم يتم اتخاذ أي إجراء، ولم يترك لطهران خيارًا سوى قصف اقليم كردستان بشكل مباشر لمقاومة النفوذ الإسرائيلي المتزايد هناك، وادعى أيضاً أن الهجمات الإيرانية الأخيرة أصابت أربعين هدفًا يديرها إسرائيل والجماعات الانفصالية الكردية.


إن إلقاء اللوم على الولايات المتحدة وإسرائيل والأكراد في الدول المجاورة هو إحدى الحيل القديمة التي يمارسها الملالي كلما واجهوا احتجاجات غاضبة في الداخل. زعم وجود تدخلات أجنبية في الشأن الإيراني، بهذه الطريقة، قد نجح من قبل في شيطنة المعارضة السياسية، وتبرير قمع النظام للمتظاهرين، وإبقاء المواطنين العاديين في حالة ذعر مستمر من عدو خارجي وهمي أسمه الغرب، بما يخدم النظام الحاكم ويثبت قواعده في السلطة بشكل كبير. لكن لا يُتوقع أن تنجح هذه الخدعة السامة في إنقاذ نظام الملالي هذه المرة، وسط هذا الكم غير المسبوق من الاحتجاجات التي تجتاح كل شوارع إيران، والتي امتد تأثيرها المكاني والسياسي إلى خارج حدود إيران وتصورات الإيرانيين أنفسهم.


قد تكون هذه اللحظة هي نهاية الجمهورية الإسلامية في إيران، وقد تكون كذلك نهاية الشام الذي نعرفه، وميلاداً جديداً لواقع أفضل في أكثر المناطق اضطراباً في جغرافيا الشرق الأوسط.


اقرأه أيضاً على ليفانت