top of page

العلاقات المصرية التركية على طريق الاستدامة


الكتاب: بينار آكبينار - داليا زيادة


تسعى حالياً كل من مصر وتركيا، لما لهما من دور مؤثر كلاعبين إقليميين ذو تاريخ مفعم بحلقات من التعاون وأخرى من الخلاف، إلى ترميم العلاقات الممزقة بينهما، وقد بدأت هذه المساعي بإعادة تعيين السفراء والترتيب لاجتماعات بين كبار المسؤولين في الدولتين قبل نهاية هذا العام.


بدأت الحلقة الأخيرة من التوترات بين البلدين في عام ٢٠١٣، عندما احتج رئيس الوزراء التركي آنذاك، رجب طيب أردوغان، على الإطاحة بالرئيس المصري السابق محمد مرسي، واتهم وزير الدفاع المصري آنذاك، عبد الفتاح السيسي، بقيادة انقلاب عسكري ضد حكم الإخوان المسلمين، وترتب على ذلك تراشق إعلامي بين الطرفين وصل لحد سحب السفراء معلناً بداية حقبة من المقاطعة الدبلوماسية بين الدولتين استمرت عشر سنين.


ساهمت عدة عوامل في تفاقم الخلاف بين الدولتين، في الفترة من ٢٠١٣ إلى ٢٠٢١، منها تباين الأيديولوجيات والرؤى بشأن القضايا الإقليمية بين رؤساء الدولتين، ولعل أبرز الأمثلة على ذلك هو مواقفهما المتناقضة بشأن مقاطعة الرباعي العربي لدولة قطر، والحروب الأهلية في ليبيا وسوريا، والصراعات على الحدود البحرية في شرق البحر المتوسط.


إلا أن اللقاء المباشر بين الرئيسين أردوغان والسيسي، في نوفمبر ٢٠٢٢ في الدوحة، فقد كان نقطة تحول رئيسية في العلاقات بين البلدين، بفضل الجهود الدبلوماسية التي بذلتها قطر أثناء استضافتها لبطولة كأس العالم لكرة القدم. أيضاً، تعد الضغوط الاقتصادية الناجمة عن الحرب في أوكرانيا وتأثيرها على أسعار الطاقة والغذاء، والاتجاه المتزايد للمصالحات وتهدئة النزاعات على الصعيد الإقليمي، وعلو أهمية السياسة الخارجية، كلها عوامل ربما تكون قد ساهمت في تمهيد الطريق لهذا اللقاء بين الزعيمين. عقب اكتمال الانتخابات العامة في تركيا مطلع الصيف الجاري، في مايو/أيار ٢٠٢٣، تسارعت عملية التقارب بينهما، حيث قاما بترقية البعثات الدبلوماسية المتبادلة إلى مستوى السفراء.


بينما يجتهد المسؤولون في رأب العلاقات بعد فترة طويلة من القطيعة، فإنه من الضروري تحديد الخطوات العملية التي يمكنهم الاستفادة منها في ظل هذا التحول الدبلوماسي، حيث لا يمكن ضمان استدامة السلام بين البلدين إلا من خلال تحويل بؤرة الاهتمام من التركيز على الإيديولوجية السياسية المتباينة إلى التركيز على المصالح المشتركة. وتتلخص إحدى الطرق للقيام بذلك في إنشاء عملية شاملة ومتعددة المسارات تشمل مؤسسات الدولة، والشركات، والمنظمات غير الحكومية، والأكاديميين، والقواعد الشعبية.



تعظيم التعاون الاقتصادي


تعاني كل من تركيا ومصر من أزمات اقتصادية حادة، ومن ثم فإن تعظيم التعاون الاقتصادي بينهما يمثل أولوية واضحة. من الناحية الإيجابية، فإن حجم التجارة بين البلدين ظل ينمو بشكل مطرد على الرغم من التوتر الدبلوماسي، مسجلاً زيادة غير مسبوقة بنسبة ٣٢,٦٪، من ٣ مليارات دولار في عام ٢٠٢١ إلى ٤ مليارات دولار في عام ٢٠٢٢، وفقاً للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء التابع للحكومة المصرية.


لقد خلق الغزو الروسي الواسع لأوكرانيا في فبراير/شباط ٢٠٢٢، وكذلك التحديات المترتبة على تغير المناخ، شعوراً بالخطر نتج عنه فرصة للتعاون في مجال الأمن الغذائي بين تركيا ومصر، نظراً لأنهما من الموردين الرئيسين للمنتجات الزراعية إلى أوروبا والشرق الأوسط. وقد أبرزت هذه العوامل أيضًا أهمية الاستثمار في الطاقة المتجددة، وهو القطاع الذي أظهرت فيه مصر تقدمًا ملحوظًا من خلال إنشاء مجمع بنبان للطاقة الشمسية، من بين مشاريع تنموية أخرى. كما تشهد كل من الشركات التركية والمصرية عمليات تحول مستدامة لتحقيق أهدافها المناخية والاندماج مع الأسواق الأوروبية بما يتماشى مع مشروع صفقة أوروبا الخضراء، وهذا يوفر فرصًا إضافية للتعاون بين البلدين في مجالات تتيح الاستفادة من منح الاتحاد الأوروبي، وإنشاء منتديات الأعمال التجارية، وتدريب القطاع الزراعي على التكيف مع تغير المناخ، وخاصة في مجال الزراعة الإيكولوجية وأساليب الإنتاج المستدام.


كما تعد صناعة النسيج مجالًا مهمًا آخر للتعاون الثنائي بين مصر وتركيا، حيث أن أكبر أربعة مصانع نسيج في مصر هي مصانع تركية. تفضل العديد من الشركات التركية تأسيس قواعدهم الإنتاجية في مصر حتى يمكنهم الاستفادة من بروتوكول المناطق الصناعية المؤهلة (كويز) بين مصر والولايات المتحدة.


وأيضاً السياحة، التي كانت دائما حقلاً للتنافس بين البلدين المتشاطئين على البحر المتوسط، فقد تحولت الآن إلى مجال للتعاون، إذ يبدو أن تدفق السياح الأتراك إلى مصر بعد أن خففت القاهرة شروط الحصول على تأشيرة دخول البلاد مسبقاً في أبريل ٢٠٢٣، قد عوض غياب السياح الروس والأوكرانيين إثر اندلاع الحرب. وفي هذا الشأن صرح صالح موتلو شين، السفير التركي في مصر، أن "شركات السياحة التركية العاملة في شرم الشيخ قد أكدت أن عدد السياح الأتراك زاد بما لا يقل عن خمسة أضعاف مقارنة بالعام الماضي [٢٠٢٢]”، مشيرًا إلى حقيقة أنه يمكنهم الآن الحصول على تأشيرة دخول البلاد عند الوصول إلى المطارات المصرية، مضيفاً "لقد حطمت تدفقات السائحين من مصر إلى تركيا الأرقام القياسية بالفعل في العام الماضي. على المدى المتوسط، أي خلال خمس سنوات، من المحتمل جدًا أن يصل عدد السائحين المصريين الذين يزورون تركيا إلى مليون شخص". إن التعاون في مشاريع السياحة المستدامة مع إشراك السكان المحليين لتمكين الفئات المحرومة، مثل النساء، يمكن أن يكون مربحًا اجتماعيًا واقتصاديًا لكلا البلدين.



بحث مجالات التعاون الإقليمي


هناك طريقة أخرى لتحويل التركيز إلى المصالح المشتركة وهي استكشاف الفرص لتعزيز العلاقات الإقليمية من خلال التعاون الاستراتيجي مع دول الخليج وإسرائيل. على سبيل المثال، يعد التنسيق بين تركيا ومصر بشأن تسهيل المحادثات بين الفلسطينيين، والاحتمال المزعوم لبدء محادثات بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، بمثابة تطورات إيجابية. يمكن لأنقرة والقاهرة البناء على ذلك من خلال لعب دور في تطوير حقل الغاز البحري في غزة ومحاولة حل النزاع المستمر مع إثيوبيا والسودان حول سد النهضة الإثيوبي.


في ليبيا، يمكن أن تتعاون تركيا ومصر لضمان الأمن والاستقرار نظراً للنفوذ الذي تتمتعان به على أطراف الصراع هناك. يتفق البلدان على أهمية استئناف العملية السياسية ودعم الانتخابات الديمقراطية. ومن الممكن أن تمثل مبادرة إيطاليا الأخيرة لفتح ممر اقتصادي مع ليبيا فرصة لإنشاء آلية تعاون ثلاثية بين مصر وتركيا وإيطاليا لدعم سلامة ليبيا وإعادة إعمارها مع معالجة مشكلة الهجرة غير المشروعة والمخاوف الاقتصادية الأخرى.


وفي شرق البحر المتوسط، يمكن لمصر أن تتبنى سياسة مشابهة لسياسة إسرائيل التي تسمح لها بالحفاظ على اتفاقياتها مع اليونان وقبرص مع السعي من أجل إيجاد فرص للتعاون البحري مع تركيا. وبما أن قبول تركيا في منتدى غاز شرق المتوسط يبدو بعيد المنال في المستقبل القريب، يمكن للقاهرة وأنقرة استكشاف وسائل أخرى لمواصلة التعاون في مجال الطاقة، بما في ذلك استثمارات القطاع الخاص في مشاريع البنية التحتية والطاقة المتجددة.


وقد استفادت الجارتان بالفعل من قربهما الجغرافي من خلال شحن الغاز الطبيعي المسال من مصر إلى تركيا للاستهلاك المحلي ونقله إلى أوروبا. ومن الممكن أن تبحث مصر وإسرائيل وتركيا فكرة إنشاء مثلث جغرافي اقتصادي، ربما يشمل بعض دول الخليج أيضاً، لجذب الاستثمارات من أوروبا المحرومة من موارد الطاقة.



تعزيز العلاقات الأمنية


هناك أيضًا إمكانات كبيرة أمام تركيا ومصر للتعاون في قطاع الأمن والدفاع من خلال نقل التكنولوجيا العسكرية، وتبادل المهارات والخبرات، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، إذ أن تنظيم مبادرات بحثية مشتركة حول التقنيات العسكرية والتدريبات العسكرية المشتركة أن يزيد من قابلية التشغيل البيني بين قواتهما المسلحة، حيث ستستفيد مصر بشكل كبير من تجربة تركيا كعضو في حلف الناتو، في حين ستستفيد تركيا من القدرات البحرية والقواعد العسكرية المصرية المجددة.



إشراك الجمهور


حسب ما اتضح من تجربتي سوريا وكولومبيا، فإنه لا يمكن تحقيق السلام من دون إشراك القاعدة الشعبية بشكل فعال. وبالتالي يجب أن يتم استكمال عملية التقارب الرسمي بين مصر وتركيا ببذل جهود موازية تهدف إلى تعزيز التفاعلات بين الشعبين من خلال الفعاليات الثقافية والدينية، وبرامج التبادل الأكاديمي، وأنشطة المجتمع المدني، وإقامة المنتديات المشتركة من أجل تعزيز شعور أوسع بالملكية. ينبغي تسويق عملية المصالحة للجمهور بهدف كسب دعمهم لها من خلال الحملات الإعلامية والبيانات الحكومية والاستعانة بالشخصيات العامة المؤثرة.



التطلع للمستقبل


تقف مصر وتركيا على عتبة مرحلة جديدة في علاقتهما الطويلة والمعقدة. إن نجاح عملية التقارب أمر بالغ الأهمية لأنه سيكون لصالح الاقليم الأكبر وكذلك لصالح شعبي البلدين. إن التركيز على المشاريع المستقبلية لتعزيز الرفاهية الثنائية والإقليمية يمكن أن يساعد في ضمان استدامة عملية المصالحة. إن خلق مساحة للسعي بشكل مشترك إلى إيجاد حلول منطقية للتحديات المشتركة من شأنه أن يقطع شوطاً طويلاً نحو إعادة بناء الثقة بين تركيا ومصر ومساعدتهما على الإبحار في مياه شرق البحر المتوسط غير المستقرة في أغلب الأحيان.


 

هذا المقال هو جزء من دراسة أجراها مجلس الدبلوماسية المتوسطية (دبلوميدز) حول مستقبل العلاقات المصرية التركية عقب الإعلان عن عودة الروابط الدبلوماسية بين البلدين. يمكن قراءة الدراسة على موقع دبلوميدز باللغة الإنجليزية بالضغط هنا.


تم نشر النسخة الإنجليزية من نفس المقال على موقع معهد الشرق الأوسط في واشنطن، وقامت صحيفة جمهوريات التركية وصحيفة عرب نيوز الصادرة باللغة الانجليزية بتناول الدراسة أيضاً. يمكن الاطلاع على التغطية الإعلامية هنا


عن الكتاب:

د. بينار أكبينار هي أستاذ مساعد في برنامج دراسات الخليج في كلية الآداب والعلوم بجامعة قطر.

داليا زيادة كاتبة مصرية ومدير مركز ميم لدراسات الشرق الأوسط وشرق المتوسط.

وكلاهما عضوان في دبلوميدز - مجلس الدبلوماسية المتوسطية.


コメント


bottom of page