بقاء إيران يعتمد على إنهاك العراق



بعد فترة قصيرة من الزهو بقوته المحلية والإقليمية التي بدأ يستعيدها تدريجياً في الفترة الأخيرة، ينزلق العراق مرة أخرى في حلقة جديدة من الفوضى الأمنية التي قد تتصاعد إلى العودة إلى مشاهد تفتيت المكون العراقي من الداخل. إن المواجهات المسلحة المتصاعدة بين القوات الأمنية التابعة للدولة والميليشيات المسلحة المدعومة من إيران، والتي وصلت لحد محاولة اغتيال رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، الأسبوع الماضي، تساهم بشكل مخيف في زعزعة تماسك البلاد واستقرارها. ومن ثم، يثير الاضطراب الأمني الحالي في العراق أسئلة مهمة حول إصرار إيران، عبر تدخلاتها غير المشروعة، على إبقاء الدولة العراقية في حالة سائلة بين الانهيار الكامل والاستقرار الكامل، وإلى درجة يخدم هذا الوضع مصالح إيران على حساب أمن واستقرار الشعب العراقي.


قبل شهرين فقط، في ٢٨ أغسطس، كان العراق آمنًا ومستقرًا لدرجة أنه تمكن من استضافة مؤتمر ناجح لكبار القادة الإقليميين والدوليين، تحت عنوان "مؤتمر بغداد للتعاون والشراكة". كان مبهجاً إلى أقصى حد رؤية العراق يستعيد دوره الريادي في منطقة الشرق الأوسط كمحور مثالي للتعاون بين العرب والأتراك والفرس، بعد أكثر من ثمانية عشر عاماً تحولت فيها أرض العراق إلى ساحة حرب بين هذه القوى الإقليمية فيما بينها، وكذلك بينها وبين الولايات المتحدة.


جاءت قمة بغداد في وقت حرج للغاية بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط، التي مرت بحالة من الذعر في أعقاب الانسحاب المتسرع والفوضوي للولايات المتحدة من أفغانستان. لم يكتف المؤتمر بدفع قادة المنطقة إلى تنحية خلافاتهم جانباً والتركيز على معالجة المخاطر الأمنية المحتملة الناتجة عن صعود حركة طالبان السياسية في أفغانستان، بل أكد أيضاً على أهمية بغداد كحائط صد أول ضد التهديدات الأمنية القادمة من أفغانستان، بفضل موقعه الجغرافي على البوابات الشرقية للمنطقة.


استمرت حالة الصحوة العراقية الإيجابية، في خلال شهري سبتمبر وأكتوبر، حيث انشغلت الدولة بالتحضير للانتخابات البرلمانية السادسة منذ عام ٢٠٠٣، وتعبئة المواطنين للمشاركة بها. وفي الوقت نفسه، واصلت قوات الأمن التابعة للدولة وجهاز المخابرات مهام تعقب واصطياد الإرهابيين، وفي ١١ أكتوبر، أعلن رئيس الوزراء العراقي اعتقال الإرهابي "سامي جاسم الجبوري" المساعد السابق لزعيم تنظيم الدولة الإسلامية أبو بكر البغدادي. كانت هذه مؤشرات إيجابية على استعداد العراق للنهوض من جديد كدولة قوية ومستقلة، بعد استكمال الانتخابات النيابية في أكتوبر، وبالفعل سارت العملية الانتخابية بسلاسة ودون مشكلات تذكر، رغم أن نسبة إقبال الناخبين كانت منخفضة نسبياً (٤٣٪) مقارنة بالانتخابات السابقة.


لكن بمجرد أن تم إعلان نتائج الانتخابات في ٢١ أكتوبر، دخلت البلاد في حالة من الفوضى التي تصاعدت بسرعة إلى مواجهات مسلحة بين الميليشيات وقوى الأمن النظامية، حيث اندلعت احتجاجات غاضبة في بغداد اعتراضاً على نتائج الانتخابات، قام بتنظيمها والدعوة لها بعض الميليشيات المدعومة من إيران المنتشرة على نطاق واسع في جميع أنحاء العراق. قد برر بعض المراقبين ذلك بغضب المليشيات تجاه خسارة السياسيين التابعين لهم عدداً من المقاعد التي كانوا يشغلونها في البرلمان السابق لصالح قائمة مقتدى الصدر "القائمة الصدرية" التي فازت بأغلبية البرلمان. لكن في الحقيقة، هذا ليس سبباً مقنعاً لحالة الغضب التي انتابت الميليشيات، ولا حتى لقيام الاحتجاجات من الأساس، لأنه ببساطة على الرغم من خسارة كتلتهم السياسية لعدد قليل من المقاعد لا يتجاوز الخمسة، لا يزال السياسيون المدعومون من إيران لهم اليد العليا في تسمية رئيس الوزراء المستقبلي، لأن القواعد المنظمة للعمل السياسي في العراق ترجح كافة الائتلافات والتكتلات السياسية الكبيرة على من يملك عدد أكبر من مقاعد البرلمان، خصوصاً لو كان قائمة مفككة أيديولوجياً مثل القائمة الصدرية.


على ما يبدو، كان للاحتجاجات التي نظمتها الميليشيات المدعومة من إيران هدف آخر أهم، وهو إثارة الفوضى التي تمنع العراق من مواصلة السعي لبناء دولة قوية لا تعتمد على إيران. ولهذا، سرعان ما تحولت الاحتجاجات التي بدأت في صورة مسيرات سلمية ضد نتائج الانتخابات إلى اشتباكات عنيفة بين المتظاهرين وقوات الأمن، بما خلف أكثر من مائة بين قتلى وجرحى لدى كلا الطرفين. وبعد حوالي أسبوع من تصاعد العنف، تمكنت الدولة من السيطرة على الوضع، حيث وعد رئيس الوزراء الكاظمي بمحاسبة مرتكبي أعمال العنف، سواء كانوا متظاهرين أو أفراد أمن، وأكد احترام الدولة لحق المواطنين في التظاهر.


ولكن، في تصعيد غير متوقع، يوم ٧ نوفمبر، تم استهداف بيت رئيس الوزراء، مصطفى الكاظمي، الواقع في المنطقة الخضراء شديدة الحراسة في بغداد، بطائرة مسيرة محملة بالقذائف. لحسن الحظ، نجا الكاظمي من الهجوم، لكن ستة من حراسه أصيبوا وتضررت أجزاء من منزله. من المفارقات أن هذه هي أول محاولة اغتيال في التاريخ تحدث باستخدام طائرة مسيرة، لكن هذا موضوع لمقال آخر. ما يهمنا هنا هو أن محاولة الاغتيال باستخدام طائرة مسيرة يقدم لنا دليل واضح على الأيدي الخفية التي تعبث بمستقبل العراق، عبر إثارة الفوضى الأمنية في البلاد. إن الأيدي القذرة التي دبرت الاحتجاجات العنيفة ومحاولة اغتيال رئيس الوزراء مؤخراً، هي نفس الأيدي القذرة التي اغتالت أكثر من ثلاثين ناشطاً سياسياً عراقياً في العام الماضي. إنه نظام الملا في إيران.


ربما لن نبالغ لو قلنا إن الطرفين الوحيدين، في العالم كله، اللذان يكرهان رؤية العراق ينهض من جديد، هما إرهابيو تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وجمهورية إيران الإسلامية. الأمر المشترك بين الاثنين، في هذه الحالة تحديداً، هو أن غياب الاستقرار السياسي في العراق وانعدام الأمن هو الضمان الوحيد لبقائهما بل وازدهارهما. فمن خلال إساءة استغلال الدولة العراقية الضعيفة، تمكنت إيران، لسنوات، من الصمود في مواجهة الضغوط الاقتصادية التي لا تطاق من قبل الولايات المتحدة. وبهذا المعنى، فإن عودة ظهور العراق كدولة قوية لها دور إقليمي مهم تؤديه يعني سقوط آخر شريان حياة يتشبث به نظام الملا في إيران. كما أن الانهيار الكامل للدولة العراقية يضر إيران أيضًا. لذلك، فإن كل تدخلات إيران في العراق تركز على تحقيق الهدف المتمثل في إبقاء الدولة العراقية موجودة ولكن ضعيفة بقدر لا يمكنها من العمل بشكل مستقل.


لكي ينجو العراق من هذه الانتكاسة، ويواصل مساعيه للتعافي من عقدين من الصراعات الدموية التي لا علاقة لها في الغالب بالعراق نفسه، يتعين على الدولة العراقية أولاً تحديد الأطراف الداخلية والخارجية المستفيدة من إبقاء العراق في هذه الحالة البائسة، ومحاسبتهم. بالتوازي مع ذلك، حان الوقت للدول المؤثرة في منطقة الشرق الأوسط أن تتخل بشكل إيجابي وتقدم يد العون للدولة العراقية في مهمتها لتنظيف الداخل من العناصر الخطرة التي ظلت تنهش في جسده لسنوات، إن ضمان استقرار العراق قد أصبح أمر أكثر أهمية للحفاظ على أمن الشرق الأوسط ككل، خاصة بعد انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان وعودة ظهور طالبان.


اقرأه أيضاً على ليفانت