ما مدى واقعية التعاون العسكري بين تركيا والإمارات؟



منذ بداية العام، نشطت دولة الإمارات بشكل خاص في تحسين علاقاتها مع كل من تركيا وإيران. بعد استحواذ طالبان على السلطة في أفغانستان، منتصف أغسطس، قام مستشار الأمن القومي الإماراتي، الشيخ طحنون بن زايد، بترتيب زيارة إلى أنقرة للقاء الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان. فاجأ تحرك الشيخ طحنون واستجابة أردوغان السريعة له، أغلب المراقبين بسبب التنافس الحاد بين تركيا والإمارات في كثير من، إن لم يكن جميع، الصراعات الإقليمية القائمة.


بعد ثلاثة أشهر، في ٢٤ نوفمبر، ترأس الشيخ محمد بن زايد، ولي عهد أبو ظبي والسياسي الأكثر تأثيراً داخل أروقة صناعة القرار في الإمارات، وفدًا رفيع المستوى إلى أنقرة للقاء الرئيس أردوغان وتوقيع عشرات المذكرات في مجال الاستثمار والتعاون الاقتصادي بين البلدين. في ختام الزيارة، تعهد بن زايد باستثمار ما مجموعه عشرة مليارات دولار في السوق التركية، في خطوة من المتوقع أن تنقذ الاقتصاد التركي الذي يعاني بشدة بسبب انخفاض الليرة والسياسات الاقتصادية الخاطئة من جانب الحكومة. لكن كان لافتاً للنظر تجنب الطرفين التوقيع على اتفاق تعاوني عسكري أو دفاعي كعادة تركيا مع حلفاءها الجدد، مما خلف انطباع بأن العلاقة بين الإمارات وتركيا سوف تقتصر على الاستثمار فقط بما تفرضه ظروف المرحلة، حيث أن تركيا الآن في موقف تحتاج فيه للأموال الإماراتية بشدة، بينما وجدت الإمارات فرصة استثمارية جيدة من التراجع الحاد في قيمة الليرة التركية.


رغم ذلك، في الأسبوع الماضي، أشار إسماعيل دمير، رئيس الوكالة التركية للصناعات الدفاعية، إلى إمكانية التعاون في قطاع التسليح بين تركيا والإمارات، قائلاً "بالنظر إلى احصائيات المبيعات الدفاعية لدينا، نرى أن علاقاتنا استمرت حتى في وقت الأزمة. كان هناك تواصل حتى عندما لم تكن العلاقات في أعلى مستوياتها". مصداقاً لتصريحات دمير، جدير بالذكر هنا أن الإمارات اشترت أسلحة من تركيا بأكثر من ٩٠ مليون دولار، خلال الربع الأول من عام ٢٠٢١، لتكون بذلك أكبر ثالث مستورد للأسلحة التركية، بحسب إحصاءات وزارة التجارة ومجلس المصدرين التركي.


بعد ثلاثة أيام فقط من تصريحات دمير، تحديداً يوم ٧ ديسمبر، بينما كان الرئيس التركي أردوغان مع وفد يضم كبار الوزراء والمسؤولين في قطر لإجراء المحادثات الاستراتيجية الدورية بين البلدين، زار وفد إماراتي أنقرة للتفاوض على صفقات تسليح جديدة، وبحث التعاون في مجالات الصناعات الدفاعية. وقد زعمت بعض التقارير الصحفية أن الإمارات طلبت شراء أسهم في شركة أسيلسان، الشركة التركية الرائدة في مجال الصناعات الدفاعية الإلكترونية. في ملاحظة جانبية، افتتحت أسيلسان فرعا لها في الدوحة، في يناير، كجزء من الاتفاقية العسكرية القائمة منذ سنوات بين قطر وتركيا. رغم كونها شركة وطنية، إلا أن شركة أسيلسان تطرح بالفعل حوالي ربع (٢٥,٦٪) من أسهمها في بورصة إسطنبول، وهذا يعني أن الإمارات يمكنها بالفعل شراء هذه الأسهم كجزء من استثمارها الاقتصادي في تركيا، لو أرادت ذلك.


جاء تحرك الإمارات للتفاوض بشأن صفقات الدفاع والتسليح مع تركيا بعد يومين فقط من توقيع الإمارات عقد غير مسبوق مع فرنسا لشراء ٨٠ قطعة من مقاتلات رافال، خلال الفترة من ٢٠٢٢ إلى ٢٠٢٤. الصفقة تبدو كبيرة، ولكنها تعويض ضروري عن انتظار الإمارات منذ فترة طويلة لإتمام صفقة مقاتلا أف-٣٥ مع الولايات المتحدة، لكن إدارة بايدن مترددة للغاية في تنفيذ هذه الصفقة، خاصة تحت ضغوط إسرائيل وبعض أعضاء الكونجرس الأمريكي. هذه هي المرة الأولى التي تعقد فيها الإمارات، أو أي دولة خليجية عربية، صفقة تسليح كبيرة مع أي دولة مصدرة للأسلحة، باستثناء الولايات المتحدة.


من الناحية البرجماتية، فإن الاستثمار الإماراتي في قطاع الدفاع التركي مفيد لكلا البلدين. بالنسبة للإمارات، سيمكنها ذلك من شراء أسلحة بتقنية متقدمة من تركيا، بما في ذلك الطائرات المسيرة والمروحيات والدبابات التركية المتميزة، بتكلفة تصنيع واستيراد منخفضة مقارنة بالأسلحة عالية التكلفة التي يمكن أن تشتريها الإمارات من فرنسا أو روسيا. بالنسبة لتركيا، لا تعني استثمارات الإمارات في قطاعها الدفاعي ضخ المزيد من الأموال في الاقتصاد التركي فحسب، بل تعني أيضًا دعمًا كبيرًا لها في تحقيق هدفها المتمثل في تحسين قدراتها على التصنيع العسكري المحلي.


لكن من الناحية التطبيقية، لا يزال التعاون الدفاعي بين تركيا والإمارات مسألة حساسة للغاية. على الرغم من توقيع اتفاقيات تعاون اقتصادي تاريخية الشهر الماضي بين البلدين، لا تزال كل من تركيا والإمارات تدعم وترعى أطراف متحاربة في مختلف الصراعات الجارية في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا والبحر المتوسط. يتجلى ذلك بوضوح في الحروب الأهلية في سوريا وليبيا، على سبيل المثال. في نفس الوقت تقريبًا من العام الماضي، توعد وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، في مقابلة له على قناة الجزيرة القطرية، بمعاقبة أبو ظبي لدعمها قوات حفتر في ليبيا ضد طرابلس التي تدعمها تركيا بقوات عسكرية ومرتزقة، منذ ديسمبر ٢٠١٩.


بالإضافة إلى ذلك، لا يزال الرأي العام القومي المتطرف داخل تركيا غير قادر على التخلي عن الصورة السلبية التي رسمتها وسائل الإعلام التركية عن الإمارات في أذهانهم طوال السنوات الماضية. وهذا سيجعل من الصعب على أردوغان الانفتاح على تعاون عسكري حقيقي مع الإمارات، في المستقبل القريب، حتى لا يخاطر بخسارة أصوات القاعدة القومية المتطرفة الكبيرة في الانتخابات الرئاسية القادمة، والتي اقترب موعدها. علاوة على ذلك، فإن الإمارات لديها بالفعل اتفاقيات تعاون عسكري مع فرنسا واليونان وقبرص، وجميع هذه دول تعتبرها الدولة التركية والشعب التركي من بين ألد أعدائها، ومن غير المرجح أن تتخلى الإمارات عن علاقتها مع اليونان أو فرنسا لتحالفها مع تركيا. والأهم من ذلك، أن تركيا تتمتع بالفعل بوجود عسكري واسع في منطقة الخليج، عبر قاعدتها في قطر، وبالتالي لا تحتاج إلى المخاطرة بهذا التحالف إذا ما قررت الانتقال للتعاون العسكري من قطر إلى الإمارات.


بناءاً على ما سبق ذكره من تفاصيل، قد نتوقع أن تزيد الإمارات من استثماراتها في شراء الأسلحة من تركيا في السنوات المقبلة، خاصة في ظل تزايد صعوبة شراء الأسلحة من الولايات المتحدة وأوروبا لاعتبارات سياسية كثيرة. لكن هذا لا يمكن اعتباره مؤشر على أن تركيا مستعدة لاتخاذ الإمارات كحليف عسكري على مستوى مماثل لتعاونها الدفاعي مع قطر أو باكستان مثلاً. هناك الكثير من الاعتبارات والاختلافات الثنائية والإقليمية التي تجعل إمكانية قيام أي تعاوني حقيقي في مجال الدفاع بين تركيا والإمارات أمنية غير قابلة للتحقق، على الأقل في المستقبل القريب.


اقرأه أيضاً على ليفانت