تجدد أزمة تيران وصنافير على البُعد الإقليمي



ما فتئت الدولة المصرية تمد أذرعها في شتى الاتجاهات، في محاولة لصد بعض تداعيات الأزمات العالمية المتفاقمة على الوضع الاقتصادي والسياسي الداخلي، إلا وبدأت أزمة سياسية قديمة تتعلق بجزيرتي تيران وصنافير غير المأهولتين في البحر الأحمر، تطفو ببطء على السطح محاطة بهالة من الأكاذيب وسوء الفهم التي لا يحتملها المشد السياسي الحالي.


في ٢٤ مايو، سرب المراسل الإسرائيلي لموقع "أكسيوس" الإخباري تفاصيل عن اجراء مفاوضات ثلاثية بين مصر والسعودية وإسرائيل حول جزيرتي تيران وصنافير، حيث يقوم بريت ماكجورك، منسق البيت الأبيض للشرق الأوسط، بدور الوسيط في هذه المفاوضات.


احتفت وسائل الإعلام الغربية بالأنباء على أنها خطوة للتطبيع الذي طال انتظاره بين إسرائيل والسعودية. على الجانب الآخر، يقف الإعلام المصري والعربي من تلك الأنباء في موقف يتراوح بين الغضب والتضليل المدفوع بالعاطفة، إذ يزعم بعضهم أن إسرائيل والولايات المتحدة تقومان بتسهيل عملية التنازل عن حقوق السيادة على الجزيرتين من مصر إلى السعودية، وهو أمر مناف للحقيقة تماماً، وكذلك أيضاً المزاعم الغربية بشأن التطبيع.


لقد تم حسم قضية من يملك حقوق السيادة على الجزيرتين في منتصف عام ٢٠١٧ بالفعل، عندما وقعت الحكومتان المصرية والسعودية اتفاقية ترسيم الحدود البحرية في البحر الأحمر، والتي حددت بوضوح جزيرتي تيران وصنافير داخل المنطقة الاقتصادية الخالصة للسعودية، وقد صادق البرلمان والقضاء المصري على القرار، وقتها، ليضع نهاية لعام صاخب من التوترات السياسية الداخلية والخلافات القانونية، التي نشبت بسبب تقارير إعلامية متحيزة زعمت زوراً أن الرئيس السيسي باع الجزر للسعودية مقابل أموال.


بالمثل، لا يزال من السابق لأوانه الحديث عن تطبيع العلاقات بين إسرائيل والسعودية. بشكل عام، يقع المراقبون الأمريكيون والغربيون دائمًا في خطأ معاملة السعودية على أنها مجرد دولة في منطقة الخليج، ومن هذا المنطلق، يفترضون أنه إذا وقعت بعض دول الخليج معاهدة سلام مع إسرائيل، فإن السعودية بالضرورة ستحذو حذوهم. لكن الحقيقة هي أن المملكة العربية السعودية هي حرفياً أم الخليج العربي، سواء من حيث التاريخ والثقافة والديموغرافيا وحتى الموقع والمساحة الجغرافية، أي أنها تقود ولا تتبع.


لقد وُجدت السعودية قبل وقت طويل جداً من تأسيس دول الخليج الأخرى بواسطة القبائل التي نشأت في الأصل على أرض الحجاز، وكذلك وُجدت السعودية قبل فترة طويلة من تأسيس دولة إسرائيل، بينما ليس هو الحال مثلاً بالنسبة للإمارات التي وقعت اتفاقية سلام مع إسرائيل قبل عامين. وهذا يلقي بمسؤولية أخلاقية ضخمة على السعودية تجعلها حذرة للغاية في كل تحركاتها وسياساتها الإقليمية، خاصة إذا كان الأمر يتعلق بقضية شائكة مثل تطبيع العلاقات مع إسرائيل. في الأسبوع الماضي، قال وزير الخارجية السعودي للمشاركين في المنتدى الاقتصادي العالمي، في دافوس، إن تطبيع العلاقات مع إسرائيل هو "نتيجة نهائية لمسار طويل" من تسوية الخلافات الثنائية والإقليمية، والتي تشمل حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.


بالتوازي مع ذلك، تشير قائمة المطالب التي تطرحها إسرائيل على طاولة المفاوضات الحالية إلى أن الحكومة الإسرائيلية ربما تستخدم قضية الجزيرتين للحصول على المزيد من الفوائد الاقتصادية من جارتها السعودية، دون الوصول بالضرورة إلى نقطة تطبيع العلاقات، والتي يعرف الإسرائيليون أنه لا يزال هدفًا صعبًا. على سبيل المثال، طلبت إسرائيل فتح المجال الجوي السعودي أمام الرحلات الجوية الإسرائيلية، مقابل موافقة إسرائيل على نتائج المفاوضات.


في جوهرها، تدور المفاوضات الحالية التي تديرها الولايات المتحدة بين السعودية ومصر وإسرائيل حول إخراج أو تقييد نطاق عمل القوات المتعددة الجنسيات التي تقودها الولايات المتحدة في سيناء، على جزيرتي تيران وصنافير، وذلك بشكل أساسي لتمكين السعودية من ممارسة الإدارة الكاملة على الجزر والاستفادة من موقعها الجغرافي الاستراتيجي المثالي في مرمى خليج العقبة وخليج السويس والموانئ الجنوبية لإسرائيل. حالياً، القوات متعددة الجنسيات هي التي تتولى الإشراف على الجزر وحركة الملاحة حولها، وفقًا لبنود معاهدة السلام التي وُقعت بين مصر وإسرائيل في عام ١٩٧٩. ولكي يتغير ذلك، فإن موافقة إسرائيل شرط أساسي.


في خضم الجدل السياسي الأولي حول الاتفاق السعودي المصري بشأن الجزيرتين، في عام ٢٠١٦، قدمت إسرائيل موافقة خطية على إجراء إعادة جزيرتي تيران وصنافير إلى السيادة السعودية. وقال موشيه يعلون، وزير الدفاع آنذاك في حكومة نتنياهو الإسرائيلية، إن السعودية ومصر اتصلتا بالقوات متعددة الجنسيات للحصول على موافقتهم أيضاً، وأكد يعالون أن "الأطراف الأربعة – السعودية ومصر وإسرائيل والولايات المتحدة – قد وافقت على نقل مسؤولية الجزر، بشرط أن يحل السعوديون مكان المصريين في بنود الملحق العسكري لاتفاقية السلام (المصرية الإسرائيلية)".


لكن يبدو أنه بعد تنصيب حكومة جديدة في إسرائيل، وجدتها السعودية فرصة جيدة لإعادة فتح المفاوضات حول هذه القضية ومحاولة رفع سقف المفاوضات ليتناول إبعاد القوات متعدد الجنسيات إلى خارج حدود الجزيرتين. وبالمثل، وجدت إسرائيل أنها فرصة جيدة للمطالبة بمزايا اقتصادية في المقابل، وربما أيضاً كمدخل للوصول بالسعودية إلى نقطة قبول التطبيع. مهما كانت نتيجة المفاوضات، كلاهما سيستفيد بطريقة ما.


أما بالنسبة لمصر فالأمر مختلف، وقد يحمل ضرر أكبر من فائدة، خصوصاً في هذا الوقت الحساس سياسياً واقتصادياً في الداخل المصري. إن انخراط مصر في المفاوضات، رغم كونه أمر أساسي، قد يجدد الغضب الشعبي الذي أثاره من عارضوا الخطوة الأولية لإعادة الجزر إلى السعودية، في عام ٢٠١٦، مما سيترتب عليه تجدد الاحتجاجات وأعمال الشغب في الشوارع. ولهذا بناء على الدروس المستفادة للحلقة الأولى من هذه الأزمة، والتي وقعت قبل ست سنوات، يجب أن تكون الدولة المصرية شديدة الشفافية وألا تتردد في مشاركة جميع التفاصيل مع المواطنين فيما يتعلق بهذه المفاوضات ودور مصر فيها. وإلا فسوف تترك الجماهير فريسة سهلة للأخبار الكاذبة ووسائل الإعلام المنحازة بشكل قد يغذي حالة الاحتقان في الشارع ويفاقمها.


اقرأه أيضاً على ليفانت