التضامن العربي الإسرائيلي يرهب إيران



في ختام قمة النقب التاريخية، التي عقدت في إسرائيل يومي ٢٧ و٢٨ مارس، بحضور وزراء خارجية مصر، المغرب، الإمارات، البحرين، والولايات المتحدة؛ أشار رئيس الوزراء الإسرائيلي، يائير لبيد، بجرأة إلى أن هذه القمة ترهب إيران، حيث قال "إن القدرات المشتركة التي نبنيها ترهب وتردع أعداءنا المشتركين، وفي مقدمتهم إيران ووكلائها".


مصداقاً لكلمات لابيد الحادة، فإن استعراض هذه الصورة من التضامن غير المسبوق بين العرب والإسرائيليين، على بّعد بضع كيلومترات قليلة من قبر ديفيد بن غوريون، الأب المؤسس لإسرائيل، هو أمر يجب أن يجعل قلوب النظام الإيراني ترتجف. إذا لم يكن لأي سبب آخر، يكفي أن قمة النقب، قد نسفت تماماً الأساس العقائدي القائم على "محاربة إسرائيل ونفيها من الوجود" الذي يعتمده النظام الإيراني والمليشيات التابعة له، وكذلك جميع التنظيمات الإرهابية والجماعات المتطرفة في المنطقة، في الترويج لأنفسهم بين العوام، وكسب التعاطف الشعبي، وإضفاء الشرعية الزائفة على أنشطتهم العسكرية غير المبررة في كافة أرجاء المنطقة، بما في ذلك حيازة وتصنيع الأسلحة النووية.


منذ أن استولت الثورة الإسلامية على إيران، ظلت إسرائيل الهدف الأول لهجمات إيران الإعلامية والعسكرية. مع الأسف، معظم الدول العربية كانت تشجع هذا الموقف الإيراني تجاه إسرائيل، نظراً لتعاطفهم مع القضية الفلسطينية، حتى أنه لسنوات طويلة، كان يُطلق على الصراع الإسرائيلي الفلسطيني في الإعلام مصطلح الصراع "العربي الإسرائيلي". في عام ٢٠٠٦، عندما اندلعت الحرب بين إسرائيل وحزب الله في جنوب لبنان، أظهرت وسائل الإعلام العربية تحيزًا مبالغًا فيه تجاه حزب الله ضد إسرائيل، حتى ذهب الكثير منهم إلى حد تصوير حسن نصر الله، زعيم حزب الله، على أنه "بطل خارق" يعتز به المسلمين والعرب.


لكن تغيرت الأمور كثيرًا منذ اندلاع ثورات الربيع العربي في ٢٠١٠/٢٠١١. إن التحول الحاد في مواقف الدول العربية تجاه كل من إسرائيل وإيران ليس مفاجئاً، لكنه ناتج عن تراكم الكثير من الخبرات التي ظلت تختمر طيلة العشر سنوات الماضية. ويمكن إرجاع هذا التحول إلى عاملين رئيسيين. أحدها هو حقيقة أن ثورات الربيع العربي أطاحت بالأنظمة الديكتاتورية العربية التي اعتادت استخدام التعاطف الشعبي مع القضية الفلسطينية وتضخيم صورة إسرائيل العدو، من أجل إلهاء مواطنيهم عن الاحتجاج على فشل وفساد أنظمتهم. مصر هي أحد الأمثلة الأكثر وضوحا على هذا التحول في المواقف الحكومية والشعبية تجاه إسرائيل قبل وبعد تجربة الربيع العربي. أما العامل الآخر يتمثل في تدهور العلاقة بين إيران وجيرانها العرب في منطقة الخليج، بعد صعود ميليشيات الحوثي التي ترعاها إيران في شمال اليمن، ويكفي أنه منذ عام ٢٠١٥، ظل الحوثيون يمطرون كل من السعودية والإمارات بصواريخ وطائرات مسيرة إيرانية الصنع.


على نطاق أوسع، فإن الميليشيات والوكلاء المدعومون من إيران لا زالت تعيث فساداً في جميع أرجاء الشام، حيث لبنان وسوريا، وكذلك في العراق، التي أصبحت الميلشيات الموالية لإيران فيها هي من يتحكم فعلياً في مسار السياسة وعملية صنع القرار. قبل عامين، اغتالت هذه الميليشيات بدم بارد نشطاء سياسيين عراقيين شباب تجرأوا على معارضة تدخل إيران في سياسات بلادهم الداخلية. وفي العام الماضي، حاولت هذه الميليشيات، مستخدمة طائرات مسيرة إيرانية، أن تغتال رئيس الوزراء العراقي، عن طريق استهداف منزله، بعد عقد الانتخابات.


على الرغم من ذلك، تواصل إدارة الرئيس الأمريكي بايدن استرضاء إيران للتوقيع على اتفاق نووي تعتبره معظم الدول المعنية في المنطقة تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي. قبل قمة النقب، حاول وزير الخارجية الأمريكي بلينكن طمأنة رئيس الوزراء الإسرائيلي، نفتالي بينيت، أن الصفقة مع إيران لن تؤثر على التزام الولايات المتحدة بحماية الأمن القومي لإسرائيل أو الحلفاء الإقليميين الآخرين، حيث قال بلينكين "سواء تم الاتفاق أو لم يتم، سنواصل العمل سويًا ومع شركاءنا الأخرين لمواجهة سلوك إيران المزعزع للاستقرار في المنطقة". لكن، في واقع الأمر، فإن تصرفات الولايات المتحدة تعطي رسالة متناقضة تماماً مع ما قاله بلينكن، لا سيما فيما يتعلق بإصرار إدارة بايدن على إزالة الحرس الثوري الإيراني من قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية، وقبل ذلك إعفاء مليشيا الحوثي في اليمن من نفس القائمة.


إن التهديدات الإقليمية والعالمية المتصاعدة حول منطقة الشرق الأوسط وداخلها هي حرفياً تدفع دول المنطقة للوقوف معًا كجبهة واحدة، وتحت ضغط وقسوة هذه التهديدات، يبدو أنها ستجبر الشرق الأوسط أخيراً على اعتماد خطاب السلام والبحث عن سبل التعاون البراغماتي عوضاً عن خطابات الكراهية والعداءات المتجذرة التي نخرت عظامه طيلة العقود السبع الماضية.


اقرأه أيضاً على ليفانت