التحيز في ليبيا ليس من مصلحة مصر



كان انسحاب وزير الخارجية المصري سامح شكري من الاجتماع الوزاري للجامعة العربية يوم ٦ سبتمبر صادمًا للغاية، حيث جدد رد فعل الوزير المصري على تولي وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش رئاسة الجلسة، الجدل حول مواقف مصر المتناقضة وغير المستقرة تجاه الأزمة الليبية.


بحسب اللوائح، جاء الدور على ليبيا لتتولى رئاسة الدورة الحالية لاجتماع مجلس وزراء الخارجية العرب الذي عقد في القاهرة الأسبوع الماضي. إلا أن شكري اعترض بشدة على تولي المنقوش، وهي الوزيرة الممثلة لحكومة الوحدة الوطنية المؤقتة في ليبيا لرئاسة الجلسة لأنه يرى أن حكومتها فاقدة الشرعية. صرح المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية للصحافة، في نفس اليوم، بأن "الموضوع نوقش قبل بدء الاجتماع"، وألمح بعض الصحفيين الذين حضروا الاجتماع الوزاري إلى أن سبب غضب شكري هو أن المنقوش رفضت قبول طلبه تنحيها عن رئاسة الجلسة.


أشادت حكومة فتحي باشاغا المنافسة لحكومة الوحدة الوطنية على الفور بفعل الوزير المصري ودعت الوزراء العرب الآخرين لفعل الشيء نفسه. لكن لم يرغب أي من الوزراء العرب المشاركين في الانسحاب على غرار ما فعله الوزير المصري، بمن فيهم أولئك الذين يفضلون حكومة باشاغا على حكومة الوحدة الوطنية. بل قرروا جميعاً مواصلة الاجتماع بقيادة المنقوش، ومن دون الوزير المصري. بل وأكثر من ذلك، عقد بعض الوزراء العرب اجتماعات منفردة مع الوزيرة الليبية بعد انتهاء الجلسة الرسمية.


يقود عبد الحميد دبيبة حكومة الوحدة الوطنية من طرابلس، منذ مارس ٢٠٢١، حيث كان قد تم انتخابه بواسطة ممثلين عن الفصائل السياسية الليبية، تحت إشراف بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، لتكوين حكومة مؤقتة مهمتها الرئيسية المصالحة بين الأطراف المتصارعة في الشرق والغرب، وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية قبل نهاية يونيو ٢٠٢٢. لكن في مارس، شكل البرلمان حكومة موازية بقيادة فتحي باشاغا لإجبار حكومة الدبيبة على التنازل عن السلطة قبل إجراء الانتخابات، من أجل حماية النخبة السياسية المنتهية الصلاحية من خسارة ما تحت يدها من سلطة سياسية وثروات مادية.


في الأشهر الثلاثة الماضية، وصلت الاشتباكات بين الجماعات المسلحة غير الرسمية التابعة لحكومتي عبد الحميد دبيبة وفتحي باشاغا إلى مرحلة مقلقة، حيث تسببت في مقتل عشرات الاشخاص بينهم مدنيين أبرياء، فضلاً على ما دمرته من شوارع ومساكن ومحال تجارية وغيرها من ممتلكات المواطنين، وهناك توقعات بأن استمرار الحال بهذا الشكل قد يدخل البلاد في حرب أهلية ثالثة.


أصدر الاجتماع الوزاري للجامعة العربية قرارا يتضمن ١٢ بند بشأن تدهور الأوضاع في ليبيا. من جملة أمور أخرى، انحاز القرار إلى موقف حكومة الدبيبة المصرة على إجراء الانتخابات قبل تسليم السلطة، من خلال الدعوة إلى تسريع عملية إرساء القاعدة الدستورية، أو الإطار القانوني، الذي سيتم على أساسه تنظيم الانتخابات الرئاسية والنيابية، بحيث يمكن إجراء الانتخابات في أقرب وقت ممكن.


الغريب أنه حتى أنصار حكومة باشاغا في شرق ليبيا قد تخلوا عنه. قبل أسبوعين، أعلنت قوات حفتر أنه لا علاقة لها بالصراع على السلطة في طرابلس، كما تتداول أنباء عن أن بعض أعضاء البرلمان، الذين عينوا حكومة باشاغا الموازية في وقت سابق، يعيدون التفكير في قرارهم الذي جدد الصراعات المدمرة في العاصمة. من ثم، يبدو أن مصر هي الداعم الوحيد لحكومة باشاغا الموازية في الوقت الحالي، وهذا يعيدنا إلى السؤال عن سبب إصرار مصر على الرهان على باشاغا على الرغم من موقفه الضعيف، بدلاً من تعزيز العلاقات مع حكومة الوحدة الوطنية ومساعدة ليبيا على الخروج من أزمتها عبر مسار الانتخابات.


إذا أرادت مصر النجاح في ليبيا، فعليها أن تنصّب نفسها كقائد إقليمي في القضية الليبية وليس كطرف من أطراف الصراع. يمكن أن يحدث ذلك من خلال تبني مصر سياسة مماثلة لسياستها في غزة على حدودها الشرقية. أحد أسباب نجاح مصر في التوسط بين إسرائيل وحماس لوقف إطلاق النار في غزة، العام الماضي، هو أن الدولة المصرية تحافظ على التوازن المثالي في العلاقات بين جميع أطراف الصراع هناك. وقد جلب ذلك الكثير من الفوائد لمصر في نظر المجتمع الدولي وأعاد دورها المفقود كقائد إقليمي.


من الناحية العملية، يعني ذلك أن تتوقف مصر فورًا عن الانحياز إلى جانب معين في الصراع الليبي، وأن تضغط من أجل إجراء الانتخابات في أقرب وقت ممكن. لن تهدأ ليبيا حتى يتم تشكيل حكومة دائمة عبر انتخابات حرة ونزيهة. وإلا فإن الأمن القومي المصري ومصالح مصر في المنطقة ستظل تحت التهديد.


الدولة المصرية لا تقدم لنفسها أي خدمة بانحيازها الفج إلى أحد أطراف الصراع في ليبيا، خصوصاً أن القوة السياسية المتنامية للميليشيات المحلية، والتي أصبحت تفوق حتى قوة السياسيين الذين يمولونهم، تجعل من المكلف جداً على الجهات الفاعلة الإقليمية دعم جانب من الصراع الليبي ضد الآخر، خاصةً إذا كان هذا الفاعل الإقليمي قريب جغرافياً من ليبيا مثلما هو الحال بالنسبة لمصر.


اقرأه أيضاً على ليفانت