استعدوا للنظام العالمي الجديد



ما زال العالم يحاول التكيف مع أثار انسحاب الولايات المتحدة من الشرق الأوسط. يتفق أغلب المراقبين والمهتمين على حقيقة أن انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان، ولاحقًا من سوريا والعراق، هو أمر حتمي كان يجب أن يحدث. لكن الانسحاب بهذه الطريقة الفوضوية وغير المسؤولة؛ والتي ترتب عليها تعريض مئات الآلاف من الأرواح للخطر، وخلق أزمة لاجئين إضافية، وإتاحة المجال للمنظمات الإرهابية لتنشط من جديد، هو تصرف جنوني من شأنه أن يقلب عالمنا رأسًا على عقب. هناك سحابة ثقيلة من الخوف تغييم على عالمنا ولا يدري أحد متى ستذوب وتسمح للشمس بأن تواصل إرسال النور والدفء إلى القلوب المذعورة، خصوصاً في المحيط الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط. لكن في وسط هذه الضبابية، هناك على الأقل شيء واحد نعرف أن سيحدث، أو يحدث الآن بالفعل، وهو أن عالمنا يتغير وهو تغيير لا يمكن الرجوع عنه.


أغلب صناع القرار، في الشرق والغرب، مرتبكون للغاية ولا يعرفون كيف يتعاملون مع الواقع الجديد الذي اختارت فيه الولايات المتحدة، إما عن عمد أو عن سوء تخطيط، أن تتوارى عن المشهد. بينما السياسيين الأمريكيين، وخاصة من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، منخرطين بشكل يبعث على السخرية في لعبة تبادل اللوم بشأن القرار والإجراءات المطبقة لسحب القوات الأمريكية وحلفائها العسكريين من أفغانستان. في غضون ذلك، يشعر عامة الناس في جميع أنحاء العالم بالذعر من عودة أفغانستان لتكون بؤرة للمنظمات الإرهابية، الأمر الذي سيؤدي في النهاية إلى أزمة أمنية دولية. شن إرهابيو داعش بالفعل هجومين انتحاريين بالقرب من مطار كابول، أواخر شهر أغسطس، مما أسفر عن مقتل أكثر من مائة شخص، بينهم جنود أمريكيين، وهذه هي فقط البداية لمزيد من العمليات الإرهابية المتوقع أن تتبعها.


هذا هو الواقع الذي نعيشه، منذ أن استولى تنظيم طالبان المتطرف على السلطة في أفغانستان، عقب انسحاب القوات الأمريكية وحلفاء الناتو، في منتصف أغسطس. ولكن دعونا نركز على الصورة الأكبر، التي تأثرت بشكل ملحوظ من إثر الموجات التي أحدثتها صدمة التدهور السريع للوضع في أفغانستان. إن ما تمر به البشرية الآن هو بمثابة مرحلة انتقالية حرجة، بعدها لن يبقى النظام العالمي الذي نعرفه على حاله، وربما يتلاشى تماماً، وإن كان بشكل تدريجي، ليحل محله نظام عالمي جديد بالكامل تتحكم فيه مراكز قوة جديدة وقواعد وقوانين جديدة أيضاً.


في نفس التوقيت تقريبًا، قبل قرن من الزمان، كانت الحروب العالمية (١٩١٤-١٩٤٥) بمثابة إعلان لموت العالم القديم وولادة عالم جديد تمامًا. لم تكن عملية سهلة بكل تأكيد، لكنها أدت في النهاية إلى عالم قادر على التعايش في ظل حكم نظام عالمي ومجتمع دولي موحد، وقد كان هذا نظامًا أحادي القطبية، حيث كان الولايات المتحدة الأمريكية فيه هي القوة العظمى الوحيدة التي تمتعت بأكبر تأثير ثقافي واقتصادي وسياسي وعسكري على العالم لأكثر من سبعة عقود. يشبه انسحاب الولايات المتحدة من الشرق الأوسط، في الزمن الحالي، الحربين العالميتين في القرن العشرين، من حيث تأثيره الواضح على تغيير ميزان القوى في العالم. إلا أن هذا التغيير لن يكون في مصلحة الولايات المتحدة، ولكن لصالح منافسيها الشرقيين، تحديداً الصين وروسيا.


من المفارقات أن الإدارة الأمريكية الحالية للرئيس بايدن والإدارة السابقة للرئيس ترامب روجتا لانسحاب الولايات المتحدة من الشرق الأوسط بالقول إن أمريكا بحاجة إلى إعادة تخصيص الموارد لمواجهة القوة الصينية المتنامية. لقد ارتكبوا ببساطة خطأ فادحًا من خلال ترك الملعب السياسي والاقتصادي الهائل والفريد من نوعه في الشرق الأوسط للاعبين الروس والصينيين. إن ما لم يستطع الرئيسين الديمقراطي والجمهوري رؤيته هو حقيقة أن توازن الولايات المتحدة وقوتها يعتمدان بشكل كبير على علاقتها وارتباطها التاريخي، لاسيما اقتصادياً وعسكرياً، بالشرق الأوسط، وليست العكس. بمعنى آخر، يستطيع الشرق الأوسط أن يعيش بدون الولايات المتحدة، لكن الولايات المتحدة ستفقد الجزء الأكبر من قوتها الاقتصادية والعسكرية بإبعاد نفسها عن الشرق الأوسط.


ربما لن يكون من المبالغة القول إن خروج الولايات المتحدة من الشرق الأوسط يشبه عملية سحب الروح من الجسد، والتي بعدها يتغير كل شيء، فلا تبقى الروح كما كانت ولا يبقى الجسد كما كان. وهذه حتماً ستكون بداية نهاية العالم الذي نألفه.


اقرأه أيضاً على ليفانت