حتمية فشل بوتين في أوكرانيا



دخلت الحرب بين روسيا وأوكرانيا في الأسبوع الرابع، وما زال القتال الميداني دائر بشراسة، في معركة شهدت تم توظيف أشكال متنوعة من أدوات الحروب التقليدية والسيبرانية وحرب الشوارع. بالتوازي مع ذلك، فشلت مجهودات الوساطة المحمومة، والمحادثات المباشرة بين طرفي الصراع حول شروط غير واقعية لتحقيق السلام، في تحديد الأهداف الاستراتيجية التي يحاول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تحقيقها، للدرجة التي جعلته لا يتردد في قتل عشرات الآلاف من المدنيين الأبرياء، بينهم أطفال، وتشريد ملايين المواطنين الأوكرانيين.


لكن كلما امتد زمن الحرب، أصبح اليقين أقرب إلى أن بوتين قد فشل في تحقيق أي إنجاز ذو قيمة لصالح بلاده في أوكرانيا، لا سيما أنه، حتى هذه اللحظة، لم يحقق الهدف المعلن الذي سبق وساقه في بداية الحرب لوسائل الإعلام ليخدع به المجتمع الدولي، ويبرر هجومه غير المبرر على دولة مستقلة ذات سيادة، ألا وهو دفع الناتو بعيدًا عن حدود روسيا. فقد ارتدت خدعة بوتين عليه بشكل عكسي، واستخدم الناتو غزوه لأوكرانيا كمبرر للاقتراب أكثر من الحدود الروسية، والتواجد العسكري المكثف في المنطقة التي كان يظن أنه يسيطر عليها.


أوكرانيا، التي كان لديها عدد صفر من القواعد العسكرية الأجنبية والتي لم تحظى بأكثر من الدعم الشفوي من أوروبا وحلف الناتو، أصبحت اليوم تتلقى مليارات الدولارات من المساعدات والمعدات العسكرية المتقدمة من أوروبا والولايات المتحدة. الأسبوع الماضي، وقّع الرئيس الأمريكي، بايدن، على مشروع قانون لضخ مساعدات عسكرية وإنسانية طارئة إلى أوكرانيا تقدر بـ ١٣,٦ مليار دولار، في شكل حزمة تنقسم إلى ثلاث فئات: الأولى تعتمد تخصيص مبلغ ٣,٥ مليار دولار لتوفير أسلحة ومعدات دفاعية للجيش الأوكراني، بما في ذلك أنظمة أمريكية متطورة مضادة للصواريخ، بالإضافة إلى أربعة مليار دولار لتقديم المساعدات الإنسانية، وثلاثة مليار دولار سوف تستخدمها الولايات المتحدة لنشر قوات أمريكية في دول الناتو المحيطة بأوكرانيا.


وغني عن الذكر أن الطائرات المسيرة التركية، من طراز "تي بي ٢"، التي يستخدمها الجيش الأوكراني بمهارة كبيرة، منذ بداية الحرب، هي التي تمنع روسيا حتى الآن من اكتساب نفوذ استراتيجي من خلال السيطرة على السماء. جدير بالذكر أنه تم استخدام نفس الطائرات المسيرة في حرب كاراباخ بين أذربيجان ورومانيا، في عام ٢٠٢٠، ولعبت دورًا هائلاً في انتصار أذربيجان. في محادثة بين الرئيسين الروسي والتركي، قبل بضعة أشهر، أشار بوتين إلى أنه غير مرتاح للاستخدام المتزايد للطائرات المسيرة تركية الصنع في النزاعات الدائرة في المناطق المحيطة بروسيا.


علاوة على ذلك، فإنه بفضل هذه الحرب، أظهر حلفاء الناتو الثلاثون موقف غير مسبوق من التضامن والاتحاد فيما بينهم، على المستويين السياسي والعسكري، بعد فترة من الوهن والخلافات التي ضربت الحلف في السنوات الأخيرة بسبب نزاعات ثنائية بين بعض الدول الأعضاء في الحلف، حيث اختاروا جميعاً تنحية نزاعاتهم الداخلية جانبًا والتركيز، بعزم شديد، على إنهاء طغيان بوتين. ربما من أبرز مظاهر التماسك بين حلفاء الناتو، هو التقارب المتسارع بين العدوين التاريخيين – تركيا واليونان. انضم كلا البلدين المتجاورين إلى حلف الناتو في نفس التاريخ عام ١٩٥٢، وهما يمثلان معاً حراس الحدود الجنوبية الشرقية للناتو.


إلا أن، فإن العقد الطويل من الخلافات الجيوسياسية فيما بينهما حول حقوق كل منهما في البحر المتوسط ​​وبحر إيجه، قد أبقتهم في مواجهة سياسية ودبلوماسية وصلت إلى نقطة الذروة في صيف ٢٠٢٠، عندما حدثت مواجهات عسكرية غير مباشرة بينهما في البحر المتوسط على خلفية قضية سفينة التنقيب التركية "أوروج ريس." لكن بفضل الأزمات الاقتصادية والأمنية العالمية والإقليمية الناتجة عن الغزو الروسي لأوكرانيا، مؤخراً، بات هناك أمل قوي في أن الخلافات التاريخية بين الجارتين المتوسطتين ​​أصبح من الممكن حلها بشكل حقيقي وحاسم.


في المقابل، يوماً بعد الأخر، يغرق بوتين نفسه وبلاده أكثر في الحفرة المظلمة العميقة التي حفرها بمعول غروره. فقد تعرض الجيش الروسي، الذي تم إرساله لتنفيذ "عملية عسكرية خاصة" قصيرة المدى في أوكرانيا، لضغوط شديدة واستنزاف قوة بعدما أصبح مضطراً للانتشار على ست جبهات على الحدود الشرقية والجنوبية والشمالية لأوكرانيا في آن واحد، ولمدة وصلت حتى الآن إلى أربعة أسابيع متواصلة، من حرب شرسة مع الجيش الأوكراني ومقاتلي الشوارع، الذين يدافعون بإيمان وإخلاص شديد عن وطنهم وأرضهم، بينما يحارب الجنود الروس بعقيدة مهزوزة ومهزومة، بسبب الشعور بالذنب تجاه قتل أشخاص يشبهونهم وتربطهم بهم صلات قرابة ومصاهرة، في عملية غزو هم لا يعرفون بالضبط لماذا تورطوا فيها من الأساس.


في خطوة يائسة لوضع حد لاستنزاف قواته ومعداته العسكرية، واستنزاف الموارد الاقتصادية لروسيا، في حرب لم يكن يجب أن يدخلها في المقام الأول، يبحث بوتين الآن في مسألة تجنيد مرتزقة من سوريا لمساعدة جيشه. وفقًا لتقرير صادر عن المخابرات العسكرية الأوكرانية، الأسبوع الماضي، تلقت قاعدة حميم العسكرية المملوكة لروسيا في سوريا أوامر من موسكو لإعداد ونشر ثلاثمائة مقاتل / مرتزق يوميًا للقتال في أوكرانيا. لكن في ١٥ مارس، الذي شهد بداية الأسبوع الثالث من الحرب، لم تتمكن القاعدة الروسية في سوريا من إرسال سوى ١٥٠ مرتزق فقط، وبعد يومين من وصولهم لأماكن القتال، أصيب ٣٠ فرد منهم بجروح بالغة واضطروا للعودة إلى اللاذقية في سوريا للعلاج.


في الثامن من مارس، صرح وزير الدفاع البريطاني، بن والاس، لوسائل الإعلام البريطانية أن الحرب الحالية بين روسيا وأوكرانيا تمثل نهاية أسطورة بوتين. "مهما حدث، فإن الرئيس بوتين هو قوة مستهلكة في العالم وقد انتهى أمره، وجيشه قد انتهى أمره أيضاً، وعليه أن يدرك ذلك" كما أكد والاس أن بوتين أصبح عبئًا على روسيا. "لقد أنهك جيشه، إنه مسؤول عن مقتل آلاف الجنود الروس، ومقتل الأبرياء. إنه يهبط باقتصاد بلاده إلى الصفر. عليه أن يتحمل المسؤولية عن ذلك".


مع اكتمال الأسبوع الثالث من الحرب في أوكرانيا، أعرب بوتين عن انزعاجه من وصف رئيس الولايات المتحدة له بأنه "مجرم حرب" في خطابه مع الصحفيين. في الواقع، كانت محكمة العدل الدولية، قد قضت في صباح هذا اليوم ١٦ مارس، بأن بوتين قد ارتكب جريمة، في تعريف القانون الدولي، بغزوه لأوكرانيا، ودعت المحكمة روسيا إلى إنهاء تدخلها العسكري في أوكرانيا على الفور. أوليس غزو دولة ذات سيادة وقتل المدنيين الأبرياء فيها جريمة عظيمة قد ارتكبها بوتين عن سابق عمد وإصرار وبدم بارد؟ لكن ربما الخبر الجيد في كل ذلك، هو أن بوتين قد بدأ بالفعل يدفع ثمن جريمته، وأصبح الإعلان عن فشله الحتمي في أوكرانيا مسألة وقت.


اقرأه أيضاً على ليفانت