العنف في القدس يضع السلام العربي الإسرائيلي على المحك



تتصاعد أعمال العنف والتوترات السياسية في البقاع المقدسة في مدينة القدس وما حولها منذ بداية شهر رمضان، حتى أن الحالة الروحانية الفريدة لشهر الصيام عند المسلمين، وتزامنه النادر مع الاحتفالات اليهودية والمسيحية بعيد الفصح، لم تمنع المتطرفين من استغلال موسم الأعياد لتأجيج الكراهية والصراعات الدينية التي تخدم وتعزز أجنداتهم السياسية على تنوعها. من بين العديد من العواقب الوخيمة المتوقعة من جراء الاضطرابات الأمنية الحالية في القدس هي وضع السلام العربي الإسرائيلي الذي شهد تطورات كبيرة في الفترة القليلة الماضية، تحت اختبار قاسٍ بشأن مصداقيته وفاعليته وقدرته على الاستمرار.


قبل أيام قليلة من اندلاع العنف في القدس، توقف العالم مذهولاً أمام صورة تاريخية جمعت بعض وزراء الخارجية العرب مع وزيري الخارجية الإسرائيلي والأمريكي، ظهروا فيها وهم يمسكون بأيدي بعضهم بطريقة تظهر التضامن والإخاء. التقطت الصورة المشار إليها في ختام القمة التاريخية التي عقدت في مدينة النقب لمدة يومين، ٢٧-٢٨ مارس، لبحث العمل الإقليمي المشترك لردع التهديدات المتزايدة من جانب إيران وميليشياتها على دول المنطقة، بشكل خاص إسرائيل ودول الخليج العربي. القمة التي عقدت على بعد كيلومترات قليلة من ضريح ديفيد بن جوريون، الأب المؤسس لإسرائيل، جمعت وزراء خارجية إسرائيل والولايات المتحدة ومصر والمغرب والبحرين والإمارات لأول مرة على الإطلاق.


قال وزير الخارجية الأمريكي بلينكين، فيما بعد، إنه ما كان أحد يتوقع أن التقاط صورة كتلك ممكناً قبل بضعة أشهر فقط من الحدث. مصداقاً لكلام بلينكن، يبدو أن منطقة الشرق الأوسط تمر بمرحلة نضج سياسي قد تمكن قادة المنطقة، رغم اختلافاتهم الطويلة الأمد، من التعاون بشكل فعال على أرضية واقعية وبرجماتية لتحقيق مصالح مشتركة. إلا أن الأحداث الأخيرة في القدس باتت تهدد استمرارية ومتانة هذا التعاون بشكل واضح.


بعد القمة مباشرةً، ارتكب إرهابيون عددًا من هجمات الطعن وإطلاق النار ضد المدنيين في تل أبيب، وادعوا لاحقًا انتمائهم لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش). ثم في الأسبوع التالي، اندلعت اشتباكات دامية بين الجيش الإسرائيلي والفلسطينيين في الضفة الغربية، عندما كان الجيش الإسرائيلي يقود عملية تمشيط أمنية بحثًا عن المشتبه بهم. بعد ذلك بأيام قليلة، اندلعت احتجاجات حاشدة في الحرم القدسي حول المسجد الأقصى، مما أدى إلى اشتباكات دامية بين المحتجين والجنود الإسرائيليين. مع الأسف، حتى ساعة كتابة هذا المقال في الأسبوع الأخير من رمضان، لم يتوقف العنف.


إن الفوضى الأمنية الحالية، لا سيما العنف الدائر في القدس، تضع الحكومة الإسرائيلية في موقف لا تحسد عليه، سواء أمام المواطنين الإسرائيليين أو أمام حلفاء إسرائيل الإقليميين والدوليين. يكفي أنها جددت الجدل غير المحبذ حول أصالة واستدامة التوجه الناشئ نحو السلام بين الدول العربية وإسرائيل. يأتي ذلك على الرغم من الجهود المخلصة التي تبذلها حكومة بنيت-لابيد في إسرائيل لإشراك جميع الفصائل في العملية السياسية وإصلاح العلاقات المهترئة مع جيرانها في منطقة الشرق الأوسط.


على المستوى المحلي، تواجه حكومة بينيت-لابيد انتقادات من الجماعات السياسية اليمينية المتطرفة لعدم اتخاذ إجراءات صارمة ضد الجماعات التي بدأت هذه الاحتجاجات، لكن من الواضح أن الحكومة حريصة على عدم تشجيع اندلاع حرب جديدة شبيهة بتلك التي حدثت في رمضان / مايو من العام الماضي ٢٠٢١ وتسببت في مقتل المئات على الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني في غضون أحد عشر يومًا فقط.


في مقابلة مع شبكة سي إن إن الأمريكية، أوضح بينيت موقف حكومته على النحو التالي: "إن مسؤوليتي كرئيس وزراء إسرائيل هي توفير حرية الصلاة للجميع في القدس، بما في ذلك المسلمين، ولهذا السبب اضطررت إلى إرسال رجال الشرطة للتعامل مع مثيري الشغب، وقد نجحوا في ذلك، وبالفعل ذهب ٨٠ ألف مسلم في وقت لاحق للصلاة بسلام. لذا، كما تعلمين، عندما نواجه العنف، علينا أن نتصرف بحزم".


في الوقت نفسه، من الواضح أن القائمة العربية الموحدة (رعم)، التي تمثل العرب الإسرائيليين في الحكومة الائتلافية، تقف إلى جانب الفلسطينيين ضد الحكومة الإسرائيلية التي هم جزء منها. في الأسبوع الماضي، قررت رعم تعليق مشاركتها في الائتلاف الحكومي احتجاجاً على إصابة ١٥٠ فلسطيني في الحرم القدسي الشريف. كما هددت رعم بالانسحاب الكامل من الحكومة إذا استمرت الاضطرابات الأمنية، الأمر الذي سيهدد تماسك حكومة بينيت-لابيد ككل.


على المستوى الإقليمي، أثار العنف في الحرم القدسي رد فعل ساخنًا من العديد من القادة العرب، بما في ذلك الموقعون على اتفاقيات إبراهيم مثل الإمارات، وكذلك أقرب جيران وحلفاء لإسرائيل – مصر والأردن. مثلاً، انسحبت شركات الطيران الإماراتية من المشاركة في العرض المقرر للاحتفال بعيد استقلال إسرائيل الأسبوع الماضي. في غضون ذلك، استدعت الإمارات والأردن، كل على حدة، السفراء الإسرائيليين لدى كل منهما لإعلان إدانتهما لأعمال العنف في الأقصى.


وقبل أيام قليلة، عقد ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد، والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، والرئيس المصري السيسي، اجتماعاً عاجلاً في القاهرة لبحث العنف في القدس. اختتم القادة الثلاثة الاجتماع ببيان استنكروا فيه العنف في المسجد الأقصى وأكدوا على "ضرورة وقف أي ممارسات تنتهك حرمة المسجد الحرام وتغير الوضع الراهن هناك" ودعوا إلى "تجنب التصعيد وتهدئة الأوضاع"، كما أشار البيان بوضوح إلى أن تهدئة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني شرط أساسي لنجاح السلام الأشمل بين العرب وإسرائيل. "إن المنطقة في حاجة إلى السلام والاستقرار والتعاون من أجل تعزيز السلام والتنمية وتحقيق تطلعات شعوب المنطقة إلى التقدم والازدهار".


خلاصة الأمر أن الدرس المهم الذي يجب أن نتعلمه من الاضطرابات الأمنية الحالية في القدس وأحداث الشيخ جراح العام الماضي هو أن النشوة بحالة التآخي الإنساني التي نراها في كل لقاء بين قادة عرب وإسرائيليين، مؤخراً، لا ينبغي أن تعمينا عن حقيقة أن جوهر الخلاف الذي أبقى العرب والإسرائيليين في صراع لعقود ما زال مفتوحًا، ألا وهو الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. طالما استمر هذا الصراع المحلي قائماً، فإن أي جهود لتحقيق سلام إقليمي طويل الأمد بين العرب والإسرائيليين ستبقى هشة.


اقرأه أيضاً على ليفانت